عزيز القبلاوي
من جديد، تسقط كرة القدم المغربية في فخ العنف العبثي، ومن جديد تتحول مدرجات يفترض أن تكون فضاءً للفرجة، للتشجيع، وللاحتفال بالرياضة، إلى مسرح للرعب والتخريب وتصفية الحسابات.
ما شهدته مدرجات مركب مولاي عبد الله خلال مباراة الكلاسيكو بين الجيش الملكي والرجاء الرياضي لا يمكن اختزاله في “شغب ملاعب” عابر، بل هو وصمة عار حقيقية على جبين كل من ساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صناعة هذه الصور القاتمة التي أساءت لكرة القدم المغربية ولصورة بلد بأكمله.
كيف يمكن لمواطن مغربي أن يعتدي على مواطن مغربي آخر بسبب مباراة كرة قدم؟ كيف تحولت ألوان القمصان إلى مبرر للعنف والكراهية والتخريب وتعريض الأرواح للخطر؟ كرة القدم وُجدت للمتعة، للشغف، للتنافس الشريف، لا لترويع العائلات والصحفيين والجماهير، ولا لتحويل الملاعب إلى ساحات حرب.
المشاهد التي عاشتها منصة الصحافة كانت مرعبة بكل المقاييس.
صحفيون اضطروا إلى مغادرة أماكنهم والهرب خوفاً على سلامتهم الجسدية، في لحظات اختلط فيها الخوف بالفوضى، وسقط فيها الحد الفاصل بين الرياضة والهمجية. عندما يصبح الصحفي، الذي حضر لتغطية مباراة كرة قدم، مهدداً في سلامته داخل ملعب يفترض أنه مؤمن، فذلك يعني أننا أمام ناقوس خطر حقيقي، لا يجب التعامل معه بمنطق التبرير أو التقليل من حجم الكارثة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الأحداث تأتي في توقيت حساس تعيش فيه الكرة المغربية أزهى فتراتها قارياً ودولياً.
المغرب الذي أصبح نموذجاً رياضياً وتنظيمياً، والذي يقترب من استحقاقات تاريخية كبرى، لا يستحق أن تُختزل صورته في مشاهد التخريب والعنف والفوضى.
ما حدث بمركب مولاي عبد الله ليس إساءة لنادٍ أو لجمهور بعينه فقط، بل هدية مجانية لكل المتربصين بالمغرب، ولكل من لا يروقهم ما حققته المملكة من نهضة كروية وبنية تحتية وتنظيمية جعلتها محط إشادة عالمية.
لا داعي اليوم لتبادل الاتهامات بين جماهير الجيش والرجاء، ولا لمحاولات التنصل من المسؤولية أو لعب دور الضحية. الحقيقة الواضحة أن الطرفين أساءا لكرة القدم المغربية ولصورة الوطن. حين تسقط القيم الرياضية، لا يوجد منتصر في المدرجات، بل الجميع خاسر.
المرحلة الحالية تفرض قرارات صارمة لا تقبل المجاملة أو التساهل. الملعب ومحيطه يتوفران على مئات الكاميرات، وأغلب المتورطين كانت وجوههم مكشوفة، وبالتالي لا مبرر للإفلات من العقاب. المطلوب اليوم هو الضرب بيد من حديد، وتطبيق القانون على كل من تورط في التخريب أو الاعتداء أو نشر الفوضى، مهما كان انتماؤه أو صفته. لأن استمرار التساهل مع هذه السلوكات يعني ببساطة فتح الباب أمام تكرارها مستقبلاً، وربما بشكل أكثر خطورة.
كرة القدم المغربية أكبر من جمهور فقد السيطرة على أعصابه، وأكبر من فئة اختارت أن تسيء للوطن باسم التشجيع. حماية صورة المغرب مسؤولية جماعية، تبدأ من المدرجات، وتمر عبر الأندية والسلطات والجامعة، وتنتهي عند كل مشجع عليه أن يدرك أن حب الفريق لا يمكن أن يكون مبرراً للكراهية والعنف.
لقد حان الوقت ليفهم الجميع أن الانتماء الحقيقي للأندية لا يقاس بحجم الفوضى، بل بقدرة الجماهير على تقديم صورة حضارية تليق بالمغرب، بلد يستعد لاستقبال العالم، لا لتصدير مشاهد الرعب والشغب.

